السيد نعمة الله الجزائري
236
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
فجازاه اللّه تعالى أحسن جزاء المحسنين ، ما لم يجاز به أحدا من العلماء العاملين ، فأعطاه في دنياه قبل الآخرة ، موهبة عظيمة فاخرة ، وهي عبارة عن بقاء الفضل وعلم الدين ، في أولاده ونسله في كل فصل وحين ، حتى مضت ثلاثة قرون عن وفاته الأليمة ، لكنّ العلم لا يزال باقيا في ذريّته الكريمة . ( ولا يخفى ) أنّ بقاء ذريّة طيّبة عقب وفاة الانسان ، سعادة عظيمة من اللّه المنّان ، وانما مثلها كمثل « زرع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ » أو « كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ، تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها » فيغرسها في الأرض ويأكل ثمرها في السّماء ، لأنه ورد في الخبر ، عن سيد البشر صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : « خمسة في قبورهم وثوابهم يجري إلى ديوانهم : من غرس نخلا ، ومن حفر بئرا ، ومن بنى للّه مسجدا ، ومن كتب مصحفا ، ومن خلف ابنا صالحا » « 1 » . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله « مرّ عيسى بن مريم عليهم السّلام بقبر يعذب صاحبه ، ثمّ مرّ به من قابل فإذا هو ليس يعذّب ، فقال : يا ربّ مررت بهذا القبر عام أوّل ، فكان صاحبه يعذّب ، ثمّ مررت به العام فإذا هو ليس يعذّب ؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ اليه : يا روح اللّه ! انه أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقا ، وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه » « 2 » . فانظر أيها النّاظر ! بعينيك البصيرتين ، إلى هاتين الأثيرتين الخطيرتين ، اللّتين تدلّان على نكتتين عظيمتين . ( النكتة الأولى ) أنظر إلى كرم اللّه عزّ وجلّ الوسيع ، على عبده المطيع ، حيث لم يحرمه من نواله ، حتّى بعد ارتحاله ، فكل ما يعمله هذا الولد الصالح العابد يرجع إلى ذاك المؤمن الوالد ، بدون أن ينقص من هذا الولد ، ثواب ما كدّ وجدّ
--> ( 1 ) بحار الأنوار ( ج 104 / 97 ) ( 2 ) أمالي الصدوق ( ص 512 )